محمد غازي عرابي
641
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
رسوله أو نبيه يدخل الشيطان في هذا الوحي نفسه باعتبار الشيطنة وسوسة وصوتا خفيا ، والنتيجة حوار ، والقصد منه التنبيه على الانشطار الذاتي للأنا الخالصة ليكون منها الإبعاد ومنها التقريب ، فهو سبحانه الرافع الخافض ، المعز المذل ، المبعد المقرب ، وما الشيطان إلا وسيلة للتحريك كما بينا هذا من قبل . وعند حلول اليقين ترفع الستارة عن سر التضاد فإذا اللّه خالق الشيطان وقاهر الشيطان ، وإذا هو الآخذ بناصيته فإنه لا إله إلا اللّه ، وهذا هو إحكام اللّه لآياته ، فيدمر من ثم الشيطان علما أنه كان موحدا وظل موحدا كما قال ابن عربي ، لكن دوره اقتضاه أن يمثل ما كتب عليه تمثيله إخراجا للمقتضيات ، قال الإمام النفري : لي من ربي مقام لا أمر فيه ولا نهي ، وذلك مقامي الذي أرى ربي فيه ، فلا يستطيعني ملك في ملكانيته ولا يستطيعني جن في جنيته . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 53 ] لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 53 ) [ الحج : 53 ] وسوسة الشيطان فتنة القلب المريض المحجوب الذي منع نور الهدى ، فعاش في ظلمات الحيرة ، والجهالة والأنانية والضياع ، فمن لم يجعل اللّه نورا فما له من نور ، وابن آدم مردود أسفل سافلين منذ أن يخلق ثم يعي ، وما لم تتلقفه يد ربه لتعيده إلى شفافيته وطهره وإيمانه فإنه يبقى أسير النفس الحيوانية ، سئل ديوجانيس : كم عبدا لك ؟ فأجاب : بقدر أربابكم ، وعني الشهوة والغضب . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 54 ] وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 54 ) [ الحج : 54 ] الهدى يلي الهبوط إلى عالم الفساد كما بينا ، وللهبوط والصعود لطيفة ذلك أن النفس حين تعي أنها جاهلة ، وأنها وحيدة ، وأنها أسيرة الشهوة ، وأنها تعاني صراعا وتحيا جهادا ، ثم يأتيها نور اليقين تكتشف عندئذ جوهر الصراع والمجاهدة ، ومعنى كون اللّه في الضدية ، وهذا هو الصراط المستقيم الذي يهدى إليه المؤمنون ولهذا تحدث النبي عن القرين الذي يلازم الإنسان أبدا ، إلا أنه بعد حلول اليقين يسلم هذا القرين أو يسلم صاحبه من أذاه بالعلم بحقيقته . [ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 55 إلى 57 ] وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ( 55 ) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 56 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 57 ) [ الحج : 55 ، 57 ]